محمد بن جرير الطبري
319
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
الخبر عن مَثَل المنافقين ، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة ، وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر . والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد ، لا معانٍ مختلفة . فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد ، من الأشياء المختلفة الأشخاص . وتأويل ذلك : مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا ، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا . ثم أسقط ذكر الاستضاءة ، وأضيف المثَلُ إليهم ، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة : وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ . . . خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ ( 1 ) يريد : كخلالة أبي مَرْحب ، فأسقط " خلالة " ، إذ كان فيما أظهرَ من الكلام ، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه . فكذلك القول في قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام ، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة ، وإضافة المثل إلى أهله . والمقصود بالمثل ما ذكرنا . فلما وَصَفنا ، جاز وحَسُنَ قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) ، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد ، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى . وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام ، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة ، والواحدُ بالواحد ، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين . ولذلك من المعنى ، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء . فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد ،
--> ( 1 ) الشعر للنابغة الجعدي . اللسان ( رحب ) و ( خلل ) . والخلة والخلالة : الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل . وأبو مرحب : كنية الظل ، يريد أنها تزول كما يزول الظل ، لا تبقى به مودة .